انتحار الادباء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

انتحار الادباء

مُساهمة من طرف سعيري في 6/12/2007, 23:25

انتحار الادباء
في الذكري الثانية عشرة لانتحار الشاعر الاردني تيسير السبول !!
انتحار الأدباء ظاهرة تحتاج الي دراسة
بقلم / أسامة فوزي
نشر المقال في عام 1985


في الخامس عشر من نوفمبر عام 1973 اهتز الوسط الاجتماعي والأدبي الأردني بحادثة فريدة من نوعها وغير مالوفة في مثل هذه الأوساط وهي حادثة انتحار الأديب والشاعر الأردني تيسير السبول عن عمر يناهز الرابعة والثلاثين .
( 2 )

عاد تيسير السبول من عمله في الاذاعة الاردنية حيث كان يشغل منصب رئيس البرامج الثقافية فيها ، طلب فنجان قهوة من زوجته الاديبة والطبيبة المشهورة مي يتيم ، تمدد علي فراشه واطلق علي راسه النار .


في الشهر نفسه تقريبا من عام 1979 اطلق الكاتب والقاص المصري المعروف محمد رجائي عليش النار علي راسه ، وجاء في تقارير رجال الشرطة ان الكاتب المذكور وجد في سيارته منتحرا علي مقربة من شقتين كان يمتلكهما في الحي نفسه ولم تعرف الاسباب الكامنة وراء الانتحار الا بعد وصول رسالة منه الي النائب العام فيها اعتراف صريح بالانتحار .
( 3 )
وقبل ايام ذكرت وكالات الانباء العالمية ان الكاتبة الارجنتينية الشهيرة مارتا لينش قد انتحرت في منزلها عن عمر يناهز الستين ... وقفت امام المراة لتنظر الي التجاعيد التي زحفت الي وجهها .. اخرجت المسدس من حقيبتها واطلقت النار علي راسها .. قال زوجها ان مارتا لينش كلت من المعركة التي خاضتها طوال عشرين عاما بلا امل ضد الخوف من الشيخوخة وقال زوجها ان مارتا سمحت لنفسها ان تقول للموت : لقد تعادلنا في المباراة فقد نلتني ولكنني انا الذي اخترت التوقيت
( 4 )

ان ينتحر انسان عادي بسبب الفاقة او الحزن علي فقيد او اليأس من النجاح او الجبن عن المواجهة من الامور المفهومة نفسيا وعلميا وحوادث الانتحار في كل المجتمعات كثيرة وتكاد تكون يومية ولكن ان يقدم علي الانتحار مفكر او اديب او عالم ميسور الحال وسعيد في حياته العائلية وله مكانته الاجتماعية ويتمتع بشهرة ذائعة الصيت فهذه ظاهرة لا يمكن تجاهلها ولا يمكن تفسيرها بالمجانية ذاتها التي تفسر بها حالات الانتحار العادية .

( 5 )
حالات الانتحار بين الادباء كثيرة ومحيرة ومع ذلك لم يقم أي ناقد حتى الان بتقصي اسباب هذه الظاهرة بالنسبة لكل اديب منتحر علي حدة ومازالت الاسئلة قائمة ومحيرة ومثيرة للجدل .


• مثلا ... لمذا انتحر الكاتب والروائي الياباني الشهير ياسوناري كاوباتا ـ بطريقة الهاراكيدي المعروفة ـ بعد عامين فقط من حصوله علي جائزة نوبل للاداب ، التي توجت شهرته الادبية وجعلته ثريا ميسور الحال بين ليلة وضحاها !!
• لماذا انتحر الروائي الأمريكي الشهير ارنست همنجواي صاحب ثلوج كليمنجارو ولمن تقرع الأجراس رغم انه كان يتقاضي اجره عن كل حرف يكتبه وليس عن كل صفحة او رواية ومع انه وضع قبل انتحاره رواية " الشيخ والبحر " التي تحولت في حياته الي فيلم سينمائي حطم كل الأرقام .

( 6 )

• في عام 1941 ألقت الروائية الإنجليزية الشهيرة فرجينيا وولف بنفسها في النهر بعد ان تركت رسالة لزوجها تقول فيها " كم كنا سعداء وكم كانت حياتنا جميلة " وفي عام 1950 انتحر الكاتب الإيطالي الشهير تشيزاره بامنيزه في أحد فنادق مدينة تورين الإيطالية بعد ان ترك رسالة لصديقته يقول فيها " كلما فكرت في الانتحار بدا لي انه أمر هين ، حتى النساء الضعيفات يملكن القدرة عليه " .


• قائمة المنتحرين من مشاهير الأدباء طويلة ومتنوعة فيها أسماء لامعة من كل الأقطار .. ومن النمسا انتحر الكاتب الشهير سيتفان تسفيج ، وفي روسيا انتحر اشهر شاعر فيها مايكوفسكيما وفي فرنسا وضع الكاتب الشهير هنري دي مونترلاف حدا لحياته بنفسه .. ميشيما وسيزار بافيز والفونسين استورني وخليل حاوي كلهم انتحروا في اوج شهرتهم وكلهم كانوا اثرياء او كانوا ميسوري الحال واكثرهم كان يعيش حياة عائلية سعيدة ؟ فلماذا انتحروا اذن ؟!

( 7 )

الح علي هذا التساؤل قبل ثلاث عشرة سنة عندما ذهلت من انتحار الشاعر الاردني تيسير سبول الذي كنت احبه واستمتع اليه كل ليلة من اذاعة عمان ، يومها حملت أوراقي وخرجت ابحث عن الحقيقة التقيت بالشقيق الأكبرلتيسير السبول فلم اخرج بنتيجة والتقيت بصديقة الصحفي سليمان عرار ـ الذي اصبح نائبا لرئيس الوزراء ـ فلم يقدم سببا واحدا ، اللهم الا القول ان تيسير السبول كان يقرأ بشغف سقوط الحضارة الغربية لشبنجلر .. التقيت باعز أصدقائه من الكتاب والادباء والصحفيين ، تبادلت الرسائل مع زوجته الادبية والطبيبة الشهيرة مي يتيم ومع الروائي العراقي فؤاد التكرلي والدكتور عيسي الناعوري والطبيب الشخصي الذي كان يعالج تيسير السبول من مرض في عينية ولكن كل هؤلاء لم يعطوني رايا يمكن التسليم به وقد نشرت كل هذه اللقاءات في فصل كامل من اول كتاب لي صدر عام 1975 وقد خلصت في بحثي الي ان تيسير السبول انتحر لاسباب فلسفية فقد تصوف في ايامه الاخيرة وكان دائم السؤال عن الحياة بعد الموت كان يري ان هناك حياة اخري لا يعرفها احد .. اقتنع بان الحرية التي هي جزء من الحقيقة او هي الطريق اليها يمكن ادراكها بمواجهة الموت كما يذهب بعض الصرفيين الذين يقولون ان الزمان مطكلق لا بداية ولا نهاية له لذا اطلق رصاصة علي راسه وارتحل يبحث عنها .

( 8 )

الذي يدهشني ان الادبية الارجنتينية التي انتحرت قبل ايام توصلت الي قناعة مماثلة . وهي ـ كما ورد في وكالات الانباء ـ " ان الموت وحده يتيح لها ان تعيش مرة اخري ، فان احدا لا يعرف ما هو الموت ، انه شكل اخر من الحياة وانا متاكدة من ذلك !!


قبل ان ينتحر الكاتب المصري محمد رجائي عليش ، كتب الى النائب العام يوضح جانبا من اسباب انتحاره " عشت هذه السنين الطويلة وانا احلم بالانتقام من افراد المجتمع الذين افلحوا في ان يجعلوني اكفر بكل شيء !! وبعد انتحار تيسير السبول عثروا بجانبه علي قصيدته الاخيرة ، التي تحمل ـ هي الاخري جانبا من لغز انتحاره .
وفيها يقول :-
انا يا صديقي
اسير مع الوهم
ادري ايمم نحو تخوم النهاية
نبيا غريب الملامح امضي الي غير غاية
ساسقط لابد ، يملأ جوفي الظلام
نبيا قتيلا وما فاه بعد باية

( 9 )

ظاهرة انتحار الأدباء تحتاج الي دراسة متأنية وسأكتفي اليوم ، ونحن في الذكري الثانية عشرة لانتحار تيسير السبول بالإشارة الي ثلاث رسائل مهمة جدا في تعليل هذه الخطوة التي اقدم عليها الشاعر الأردني المذكور وهي رسائل مهمة ليس لمكانة مرسليها فحسب وانما هي مهمة أيضا لان الجامعات والدارسين فيها بدأوا يضعون كتبا حول الشاعر واسباب انتحاره والاطلاع علي اراء ثلاثة من كبار الكتاب والمفكرين العرب ، ومن أصدقاء تيسير السبول يفيد الباحثين ويلقي بالاضواء علي جوانب لم تتضح .
( 10)

*بعت الي الكاتب العراقي الشهير فؤاد التكرلي رسالة بتاريخ 24 / 9 / 1976 يقول فيها : " قرات الفصل الذي خصصته عن تيسير السبول في كتابك وارجو ان تعذر لي اعتقادي بانك قد تحدثت مع الاناس الذين لا يعرفون تيسير الحقيقي ، وبديهي وانا اقرا سطورك وانطباعك عن اشخاص هؤلاء ان مشكلة تيسير الرئيسية لابد ان تكون سوء الفهم الذي واجهه في كل مكان "


• وكتب الي الدكتور عيسي الناعوري بتاريخ 22 /فبراير / 1976 يقول " الحقيقة ان كل ماكتب احول دوافع انتحاره كان ضربا من اللغو فلم ينتحر تيسير رفضا للواقع علي الحياة ولا تمردا علي الحياة ولا بدوافع فلسفية ـ كما تقول انت في كتابك ـ ولكنه انتحر لان الام الصرع الرهيبة التي كان يعانيها من وجع عينيه والتي رافقت حياته كلها ولم تنتفع بها علاجات الاطباء وانتهت به الي بداية عمي ، بحيث لم يعد يري علي مسافة عشرة امتار هذه الالام كانت اقوي واقسي من احتمالة ولا سيما بعد ان اعلن له الاطباء عجزهم عن شفائه ويأسهم من بقاء بصره "


• اما رأي المحامي والمتثقف المعروف صالح سوداح فيقع في تسع صفحات كاملة جاء فيها " لقد انتحر تيسير لانه بلغ درجة الياس المطلق من القيام بدور فعال في الحياة العامة وما كان ليرضي بدور الانسان العادي وهنا سبب قلقه الدائم تقريبا وتخبطه فكريا في السنة الاخيرة لحياته"
avatar
سعيري
نجم المنتدى

ذكر
عدد الرسائل : 638
العمل/الترفيه : سعير
تاريخ التسجيل : 28/09/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى