السيجارة (قصة) رشيد عزام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

السيجارة (قصة) رشيد عزام

مُساهمة من طرف RASHEED AZZAM في 6/2/2008, 12:45

قصة بقلم رشيد عزام



سيجارة

تقبلها ..
وترميهـا ثم تدوسها
لأنك تعلم أنها تضرك ..
إذن اقلع عنها للأبد




ومن مكان بعيد وصلت تلك الورقة الرقيقة جدا والتي تحتضن في جوفها نباتا دخانيا رخيصا وساما وكانت مدعمة بأرقى المصفيات التي من شأنها أن تخدع مقبلها متظاهرة بأنها تحميه من السموم الحقيرة .. كانت مرصوصة إلى جانب تسعة عشر أخريات من زميلاتها اللواتي أخذن الاسم نفسه وكانت كل واحدة منها تحاول أن تنال الراحة في تلك العلبة المرصوصة ، ثم وُضعت كل تلك العلب في كراتين ضخمة في أحد المستودعات النشطة ..

وبعد أسبوع من الهدوء التام راحت الفوضى تعم المستودع الرطب بعد أن فتحت أبوابه .. فعلمت السيجارة - من حديث مثيلاتها - حين إذٍ أنها ستخرج ولأول مرة إلى الحياة ، وما هي إلا لحظات حتى أمسكت بها يدا العامل بقوة كادت تقضي عليها لشدة الدوار الذي أصابها ، ذلك جعلها تقول وبكل خوف :

- ما هذا ؟؟

- لا أعلم .. لكن لا تخافي سمعت من الكراتين القديمة أن هذا يحصل دائما حين ننتقل من مكان لآخر ...

انتقل ذلك الصندوق إلى إحدى الشاحنات التي كاد الدهر أن يقضي عليها لولا صلابتها .. وكانت تلك الشاحنة المهتزة في سيرها تنقل السيجارة إلى أحد المطارات ليتجهن بعد ذلك بالطائرة إلى الشرق الأوسط وللبلاد العربية بالتحديد .. وما أن وصلت تلك الكراتين الكبيرة إلى المطار حتى كادت تلك الشاحنة تقضي على السجائر المسكينة التي أصبحت تشعر بالغثيان من هذه الشاحنة الرثة التي لم يعرف سائقها العجوز التأني لو للحظة واحدة .

ظنت السيجارة أنها انتقلت إلى مستودع آخر لتستريح مرة أخرى ولكن سرعان ما شعرت بأنها تصعد عن الأرض بسرعة قصوى .. وما هي إلا ساعات حتى حطت الطائرة في إحدى المطارات وراحت الآلات تنقل الكراتين مرة أخرى إلى الشاحنات المزعجة ومن هناك نقلتها الشاحنات إلى أحد المستودعات المظلمة والرطبة ...

وبعد أيام من الراحة في جو رطب خانق ،، وُزعت الصناديق على كثير من الحافلات والتي بدورها قامت بتوزيعها إلى المتاجر في مختلف الأنحاء ..

تلك السيجارة كانت تتوق للضوء والهواء النقي .. لذا كانت تتذمر دائما حتى رست في إحدى المتاجر .. وسرعان ما قام أحد العمال هناك بفتح الصناديق وترتيب العلب الصغيرة في خزائنها المخصصة .

كانت في العلبة التاسعة في الترتيب وكان الرجل كلما باع علبة أصاب الأخريات بهزة قاسية ومؤلمة لأنهن ترتبن فوق بعضهن البعض بينما كان هو يسحب من الأسفل متعمدا .. لذا كانت السيجارة تفقد وعيها لوقت طويل في كل مرة .

وحتى نهاية اليوم لم يحن دور بيع هذه العلبة ، وفي صباح اليوم التالي وقعت تلك العلبة في يدين خشنتين كانتا لأحد الموظفين قليلي الدخل وكثيري الهموم والتدخين .. ذلك الرجل قام بفتح العلبة بكل عنف وهو يتذمر من الحال ويشتم " الدخان ويوم الدخان " .. وكانت المرة الأولى التي ترى فيها السيجارة ضوء الشمس وعنف الحياة ، لكن اختياره لم يقع عليها بعد ، فعاد الرجل ليغلق العلبة مرة أخرى ويضعها في جيب معطفه الرث ذو الرائحة القذرة ، هذا جعل كل سيجارة تتمنى أن تكون هي التالية في كل مرة كان يخرج فيها واحدة ، إلا هيَّ فقد كانت تحب الراحة والكسل .. وكانت السجائر كلما كان يخرج العلبة يصرخن ببعض العبارات :

- سنشم الهواء النقي ..

- الضوء .. الضوء ..

- خذن نفس عميق في هذه المرة ..

وبعد أن استهلك الرجل تسعة سجائر في وقت قصير وقع اختياره أخيرا على تلك السيجارة المسكينة التي أحبت الحياة لأنها لم تشأ أن تؤذي أحدا .. ولكن..



وضع ذلك الرجل السيجارة في فمه وقد كانت تصرخ لشدة الألم الذي أصابها من خشونة يدا الرجل لكنها شعرت بالارتياح حين تخلل الهواء جسمها لأنه كان يستنشقه إلى الداخل عبرها - ولم تعلم انه يستعد بذلك لحرقها - ففرحت قائلة :

- لا بد أن هذا الرجل سيهتم بي .. لذلك فهو يقبلني الآن !!

وما أن وضع النار على مؤخرتها حتى أحست بالألم الحارق في أسفلها .. بقي الرجل يسحب للداخل وكانت الشعلة تتجه نحو الرأس شيئا فشيئا والألم يزداد كلما اقتربت ، وبعد أن اصبح الألم جزئا منها واقترب الرأس ، رمى ذلك الرجل السيجارة أمامه وهو ينظر إليها والكره بان في عينيه لها ..



هي لم تكن تنظر إليه واعتقدت أن الأمر انتهى إلى هنا وأن الشعلة ستنطفئ بينما تعود هي للحياة من جديد ، وما التفتت إلى الأعلى حتى كانت قدم ذلك الرجل قد سحقتها والى الأبد ...



قصة 108- قسوة الزمان

أرجو المحافظة على الأمانـة

الأدبية في النقل أو الاقتباس

avatar
RASHEED AZZAM
مشرف

ذكر
عدد الرسائل : 132
تاريخ التسجيل : 01/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: السيجارة (قصة) رشيد عزام

مُساهمة من طرف Radee217 في 6/2/2008, 12:49

ياسلام عليك وعلى شعرك الحلو يا رشيد cheers

_________________
إلـى مـتـى ؟ ؟ ؟

ليسمع العالم ... نحن اسياد لا عبيد ... كـل يـوم يـولـد مـنـا شـهـيـد ... لكل الناس وطن يعيشون فيه ... الا نحن ... لنا وطن يعيش فينا
avatar
Radee217
مشرف عام
مشرف عام

ذكر
عدد الرسائل : 534
العمر : 31
الموقع : فـلـســ قـلـب ــيـن
المزاج : تمام والحمدلله
تاريخ التسجيل : 27/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.saeer.fororama.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: السيجارة (قصة) رشيد عزام

مُساهمة من طرف عابر للقارات في 6/2/2008, 17:56

ورده

عابر للقارات
عضو نشيط

عدد الرسائل : 41
تاريخ التسجيل : 25/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: السيجارة (قصة) رشيد عزام

مُساهمة من طرف سعيري في 6/2/2008, 21:03

رائعه
تحيه لشاعرنا واديبنا رشيد عزام
ورده
avatar
سعيري
نجم المنتدى

ذكر
عدد الرسائل : 638
العمل/الترفيه : سعير
تاريخ التسجيل : 28/09/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: السيجارة (قصة) رشيد عزام

مُساهمة من طرف ساحر اللهاليه في 6/2/2008, 23:11

ورده

ساحر اللهاليه
عضو نشيط

عدد الرسائل : 86
تاريخ التسجيل : 17/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى